طب عام

العلاج الوهمي البلاسيبو قضية أخلاقية أم منفعة طبية

العلاج الوهمي البلاسيبو

العلاج الوهمي “Placebo” أداة بحثية فريدة تمكن العلماء من فحص فعالية العلاجات الجديدة في “Medical trials”. ولكن هل فكرت يوماً في القوة التي  تكمن في تلك الحبة السكرية البسيطة أو حقنة الماء؟ البلاسيبو ليس مجرد عنصر في التجارب السريرية بل هو مرآة تعكس العلاقة المعقدة بين الجسد والعقل والقوة الهائلة لـ “Psychological effect” النفسي في عملية الشفاء. في هذا المقال سنقوم بتجربة مغامرة في عالم البلاسيبو من خلال الغوص في أعماق الدور الذي يلعبه في الأبحاث الطبية وكيف يؤثر على صحتنا الجسدية و النفسية.

هو مادة تبدو كدواء وتُعطى للمشاركين في الدراسات العلمية الطبية لكنها لا تحتوي على مواد فعالة تؤثر على صحتهم. يُعرف أيضًا بالدواء الوهمي.

يستخدم في الدراسات السريرية لمقارنة النتائج المستخرجة من العلاج الفعلي المختبر مع تلك المستخرجة من البلاسيبو. يتم تقسيم المشاركين إلى مجموعتين حيث تتلقى المجموعة الأولى العلاج الفعلي المحدد المدروس بينما تتلقى المجموعة الثانية البلاسيبو.

الهدف من إعطاءة هو تحديد مدى تأثير العلاج الفعلي المختبر وما إذا كان فعالاً أم لا عن طريق مقارنته بالنتائج المستخرجة من تناول البلاسيبو الذي لا يحتوي على أي مواد فعالة. يتم إخفاء هوية العلاج المعطى للمشاركين في الدراسة ولا يتم إبلاغهم بأنهم يتلقون علاج ليس بة مواد فعالة بهدف الحصول على نتائج أكثر موضوعية.

إقرأ أيضا:الفرق بين الخطأ الطبي والإهمال الطبي

يستخدمة  الباحثين لتحديد ما إذا كانت الاختلافات في النتائج بين المجموعتين تعود فعلًا للعلاج الفعلي أم أنها مرتبطة بتأثيرات التوقع والتأثير النفسي لتناول الدواء. يعتبر أداة قوية في البحوث السريرية لتقييم فعالية العلاجات وفهم تأثير العقل والتوقعات في الاستجابة العلاجية.

يعتقد أنه يؤثر عن طريق التأثير على التصور العقلي للشخص وهذا ينعكس على التفاعلات الكيميائية والفسيولوجية في جسمه. عندما يعتقد الشخص أنه يتناول علاجًا فإن لديه تصور عقلي بأنه سيحدث تحسن وهذا يؤدي إلى شعوره بالتحسن الذي قد يكون جزئيًا أو موضعيًا. وبالمثل إذا كان يعتقد أن الدواء سيسبب مضاعفات فقد يشعر بها أيضًا.

قد يكون تأثيره نفسيًا فقط حيث يشعر الشخص بتحسن أو تراجع دون وجود تأثيرات جسمية ظاهرة. ومن الأمثلة على التأثيرات الجسدية تسارع نبض القلب عندما يتلقى الشخص دواء وهمي ويتم إخباره بأنه منشط للعضلات.

تشير الدراسات إلى أن البلاسيبو يكون له تأثير على حالات مثل الاكتئاب، الألم، اضطرابات النوم، متلازمة القولون العصبي، ومشاكل انقطاع الطمث.ويُعزى هذا التأثير إلى تفعيل آليات التأثير النفسي والبيولوجي للبلاسيبو.

يظهر ذلك أهميتة كأداة قوية في التجارب السريرية والعلاج الطبي ويعكس أيضًا دور العقل والتصورات الشخصية في التأثير على الحالة الصحية والاستجابة للعلاج.

إقرأ أيضا:التوتر والقلق: أنواعهما وأعراضهما وأسبابهما وطرق علاجهما

القوة الحقيقية للبلاسيبو تكمن في “Expectation effect” تأثير التوقع. عندما يتوقع الأشخاص أن العلاج سيكون فعالًا قد يشعرون فعلاً بتحسن حتى لو كان العلاج غير فعال على الإطلاق. هذا الأثر الذي ينشأ من التوقعات الإيجابية يؤدي إلى تغييرات حقيقية في الجسم والشعور بالراحة مما يبرز الروابط القوية بين الجسد والعقل.

تاريخ البلاسيبو يمتد لعدة قرون حيث كان له تطورات هامة على مر الزمان. فيما يلي نظرة عامة عن أصلة وتطور استخدامه في البحوث الطبية:

1. الأصل والاشتقاق:

   – يعود أصل مصطلح “بلاسيبو” إلى اللغة اللاتينية ويعني “أنا أرضع” ويرجع ذلك إلى استخدام الأدوية الوهمية التي تعطى للأطفال الرضع للتهدئة.

   – تطور مفهومه من عنصر الأدوية الوهمية إلى أي تدخل طبي لا يحتوي على مكونات فعالة محددة.

2. الاستخدام في التجارب الطبية:

   – في القرون السابقة استخدم على نطاق واسع في الطب التقليدي ومن خلال التداوي بالكلمات والأدعية الشفائية.

   – في القرن العشرين بدأت التجارب السريرية تستخدمه كمجموعة سيطرة لقياس فعالية العلاجات الجديدة وتقييم تأثيرها على المشاركين.

إقرأ أيضا:كيفية التخلص من الإمساك: أسبابه وأعراضه وطرق العلاج المتاحة

3. التطورات الحديثة:

   – مع تقدم العلوم الطبية والتكنولوجيا تطور مفهومه ليشمل فهم أكثر تعقيدًا لآلياته وتأثيره.

   – استخدم في الدراسات الحديثة لفهم تأثير العقل والتوقعات والاعتقادات على الاستجابة العلاجية وتحسين الحالة الصحية.

4. أخلاقيات الاستخدام:

   – تطورت المبادئ الأخلاقية المتعلقة باستخدامه في البحوث الطبية.

   – يجب أن يتم إبلاغ المشاركين في التجارب بأنهم قد يتلقون البلاسيبو وليس العلاج الفعلي ويجب حماية حقوقهم وضمان سلامتهم طوال فترة الدراسة.

يعتبر أداة قوية في التجارب السريرية لقياس فعالية العلاجات وفهم آليات الشفاء الذاتي والتأثير النفسي في الاستجابة العلاجية. تطور استخدامه على مر العصور يمثل تطورًا في فهمنا للتأثير العقلي والنفسي على الصحة والعلاج.

يمكن أن يحدث الدواء الوهمي تأثيرات متنوعة من بينها:

1. عدم حدوث تغييرات: يحدث في بعض الأحيان لا تحدث تغييرات ملحوظة في المتعاطين للبلاسيبو حيث لا تظهر أي تأثيرات إيجابية أو سلبية قابلة للتحسين.

2. تغييرات إيجابية: قد يحدث تحسن ملحوظ مثل في حالة الدراسات المتعلقة بتحسين النوم. بالرغم من أنه لا يحتوي على مكونات فعالة إلا أن الأشخاص قد يشعرون بتحسن في نومهم.

3. تغييرات سلبية: في بعض الحالات يحدث تراجع في الحالة المرضية مثل تراجع ساعات النوم في دراسة تتعلق بتحسين النوم.

4. آثار جانبية: قد يظهر بعض الأشخاص آثار جانبية وهمية أو مشاكل صحية مؤقتة ناتجة عن تناوله مثل زيادة في التبول.

5. شعور بالتحسن النفسي: قد يشعر المرضى الذين يتلقونه بتحسن نفسي بدون وجود تحسن حقيقي في الحالة المرضية. على سبيل المثال قد يقول المريض أن حالته في حالة تنفسية محددة تحسنت على الرغم من عدم وجود فرق ملموس في وظائف الجهاز التنفسي بناءً على الاختبارات.

تلك هي بعض النتائج التي  تحدث في دراسات البلاسيبو وتوضح أهمية العنصر النفسي والتأثيرات المرتبطة به في تجربة الشخص على التحسن أو التدهور.

مع أن البلاسيبو هوعقار غير نشط إلا أنه يمكنه أن يحدث تغييرات حقيقية في الجسم. العلماء ما زالوا يكتشفون العديد من العمليات البيولوجية والنفسية التي تقف وراء آلية عمل البلاسيبو.

أحد العناصر الرئيسية في هذه العملية هو دور الـ “Neurological pathways” المسارات العصبية. عندما يأخذ الشخص علاجاً يعتقد أنه فعال يمكن أن يتسبب هذا في تفعيل مجموعة من الردود البيولوجية في الدماغ. هذه الردود تتضمن إطلاق “Endorphins” الإندورفينات التي تعمل كمسكنات طبيعية وتحسن من “Pain perception” تصور الألم.

إلى جانب ذلك البلاسيبو  يؤدي إلى تحفيز الدوبامين وهو الناقل العصبي الذي يلعب دوراً مهماً في الشعور بالمتعة والمكافأة. هذه العمليات الكيميائية في الدماغ  تحدث تغييرات في الشعور بالراحة والصحة العامة حتى بدون أي علاج طبي حقيقي.

إن التأثير النفسي للبلاسيبو أيضاً لا يقل أهمية. التفاؤل والإيمان بالعلاج  ينشئ حالة من الإيجابية والرغبة في الشفاء التي بدورها تحفز الجسم على تحسين صحته. هذا يبرز القوة الهائلة للعقل في تحقيق التحسن الصحي.

العلاج الوهمي البلاسيبو

تلعب العلاجات الوهمية دورًا هامًا في التجارب السريرية لعدة أسباب:

1. المقارنة بالعلاج الفعلي: يساعد العلاج الوهمي في تقييم فعالية العلاج الفعلي عن طريق مقارنته به. يتم تقسيم المشاركين في التجربة إلى مجموعتين إحداهما تتلقى العلاج الفعلي والأخرى تتلقى العلاج الوهمي ويتم مقارنة نتائج  المجموعتين.

2. تأثير العقل الباطن: يعتقد أن العقل الباطن للفرد له تأثير قوي على الشفاء والتحسن الصحي. بتقديم العلاج الوهمي وخلق اعتقاد لدى المشاركين بأنهم يتلقون علاجًا فعالًا يعزز العقل الباطن هذا الاعتقاد ويسهم في تحسين الحالة المرضية.

3. التأثير النفسي والتأثير الانتظاري: قد يكون للمشاركة في تجارب العلاج الوهمي تأثير نفسي إيجابي على المشاركين حيث يشعرون بالراحة والرضا بالمشاركة في الدراسة وبالرعاية الإضافية التي يتلقونها. قد ينتج عن ذلك تأثير انتظاري يؤدي إلى تحسين الحالة المرضية حتى دون وجود تأثير فعلي للمادة الوهمية.

الهدف من استخدام البلاسيبو في هذا السياق هو الحد من التحيز. إذ يمكن للتوقعات والعواطف أن تؤثر على تجربة الشخص للأعراض والتحسن مما  يشوه نتائج الدراسة. بمقارنة الأشخاص الذين تناولوا البلاسيبو مع الذين تناولوا الدواء الحقيقي يمكن للباحثين تحديد مدى فعالية العلاج بشكل أكثر دقة.

البلاسيبو لا يساعد فقط على ضمان صحة البحث العلمي ولكنه يكشف أيضاً عن القوة العظيمة للعقل البشري. يمكن لتوقعاتنا وإيماننا بشأن العلاج أن تؤدي إلى تحسينات حقيقية في الصحة والرفاه وهو ما يعرف بتأثير البلاسيبو. يشير هذا إلى أن الطب ليس فقط عن الدواء والجراحة ولكنه يتضمن أيضاً فهم كيفية تأثير العقل على الجسم.

العلاج الوهمي البلاسيبو

في الوقت الذي يتم فيه استخدام البلاسيبو بشكل واسع في “Clinical trials” التجارب السريرية يثير استخدامه جدلاً أخلاقياً هاماً خاصة عندما يتعلق الأمر بـ “Therapeutic deception” الخداع العلاجي.

من الجانب الأخلاقي يجب على الأطباء أن يحترموا “Patient autonomy” استقلالية المريض وهو الحق في اتخاذ قرارات مستنيرة حول العلاج. هذا يتطلب “Informed consent” موافقة مستنيرة حيث يجب أن يكون المريض على علم بكل التفاصيل المتعلقة بالعلاج بما في ذلك ما إذا كان العلاج مجرد بلاسيبو. ولكن في بعض الحالات قد يتعارض هذا مع الخداع العلاجي حيث يمكن أن يزيد الإيمان بفعالية العلاج من فعالية البلاسيبو.

من الجانب الآخر يمكن أن يُرى استخدامه كأداة لتحقيق أقصى استفادة للمريض. إذا كان البلاسيبو يمكن أن يساهم في تحسين الصحة والرفاه فهل يمكن تبرير استخدامه حتى لو تطلب الأمر بعض الخداع؟

تشير هذه الأسئلة إلى التوتر الأخلاقي الموجود بين الرغبة في تحقيق أقصى استفادة للمريض والحاجة إلى الحفاظ على الصدق والشفافية. لا يوجد حل واضح لهذا التوتر ولكنه يعكس أهمية الأخلاق في الطب والبحث العلمي.

في “Summary” ملخص ما تم مناقشته نرى أن البلاسيبو ليست فقط أداة في التجارب السريرية بل هو نافذة تكشف لنا القوة الكامنة في عقولنا وتأثيرها على صحتنا. على الرغم من أنه يتألف من “Inactive substance” مادة غير نشطة إلا أنه يمكنه أن يحدث تحسينات حقيقية في الشعور بالراحة والرفاه بفضل “Expectation effect” تأثير التوقعات الإيجابية.

ولكن مع قوة البلاسيبو يأتي أيضا “Ethical discussion” نقاش أخلاقي مهم. يجب على الأطباء والباحثين الحفاظ على “Patient autonomy” استقلالية المريض والشفافية حتى عند استخدامه في العلاج والبحث.

في “Final thoughts” الأفكار الختامية نرى أنه هو أداة قوية تكشف لنا عن الروابط العميقة التي تربط الجسد والعقل. ومع ذلك لا يزال هناك الكثير لنتعرف عليه حول آلية عمله وكيف يمكننا استخدامه بشكل أكثر فعالية وأخلاقية في الطب.

لذا يتطلب الأمر “Future research” المزيد من البحوث لفهم تأثيرة بشكل أعمق و تحقيق التوازن بين استخدامه كأداة علاجية فعالة والحفاظ على الشفافية والاحترام لاستقلالية المريض.


[1] Placebo Effects: Understanding the Mechanisms in Health and Disease. Oxford University Press

السابق
دولوبروفين: استخداماته، آثاره الجانبية، وكيفية استخدامه بشكل صحيح
التالي
طرق عمل البسبوسة: 15 وصفة لتحضيرها في المنزل

اترك تعليقاً